ابن أبي الحديد

203

شرح نهج البلاغة

ومثال الطريق الذي فيه الآبار الزمان الذي مضى ومر على الخلق أجمعين ، ومثال آباره مصائبه ومحنه . وقد كان يجب لو صح علم أحكام النجوم أن سلامة المنجمين أكثر ، ومصائبهم أقل ، لأنهم يتوقون المحن ويتخطونها لعلمهم بها قبل كونها ، وأن تكون محن المعرضين عن علم أحكام النجوم على كثرتهم أوفر وأظهر ، حتى تكون سلامة كل واحد منهم هي الطريقة الغريبة ، والمعلوم خلاف ذلك ، فإن السلامة والمحن في الجميع متقاربة متناسبة غير متفاوتة . * * * وأما البحث الحكمي في هذا الموضع ، فهو أن الحادث في عالم العناصر عند حلول الكوكب المخصوص في البرج المخصوص ، إما أن يكون المقتضى له مجرد ذلك الكوكب ، أو مجرد ذلك البرج ، أو حلول ذلك الكوكب في ذلك البرج . فالأولان باطلان ، وإلا لوجب أن يحدث ذلك الامر قبل أن يحدث ، والثالث باطل أيضا ، لأنه إما أن يكون ذلك البرج مساويا لغيره من البروج في الماهية ، أو مخالفا . والأول يقتضى حدوث ذلك الحادث حال ما كان ذلك الكوكب حالا في غيره من البروج ، لان حكم الشئ حكم مثله ، والثاني يقتضى كون كرة البروج متخالفة الاجزاء في أنفسها ، ويلزم في ذلك كونها مركبة ، وقد قامت الدلالة على أنه لا شئ من الأفلاك بمركب . وقد اعترض على هذا الدليل بوجهين : أحدهما أنه لم لا يجوز أن تختلف أفعال الكواكب المتحيرة عند حلولها في البروج ، لا لاختلاف البروج في نفسها ، بل لاختلاف ما في تلك البروج من الكواكب الثابتة المختلفة الطبائع . الوجه الثاني : لم لا يجوز أن يقال : الفلك التاسع مكوكب بكواكب صغار لا نراها